محمد تي اتش الدارمي
(هيئة التنسيق لكليات التابعة للجامعة النورية)
كلما نعرّف جمعية علماء عموم كيرلا نمرّ على اسم عائلة 'وراكال' لأنه هو اسم عائلة المؤسس والرئيس الأول لها. ومعنى هذا الاسم في اللغة المليالمية التخطيط لما نستخدمه مصدرا ويكون معناه عند الخط لما نستخدمه ظرفا. أيا ما كان هناك قصة محلية عند أهل شواطئ مدينة كاليكوت الساحلية وراء هذا الاسم، وهي أن البحر لما هاج بالامواج في إحدى المواسم جعلت المياه تعتدي وتصل إلى أفنية بيوت سكان الساحل، وللأسف أعادت الظاهرة مرة أخرى في السنة القابلة مما تورط الناس خائفين، فذهبوا إلى سيد وقور يسكن قربهم وطلبوا منه حلا كافيا يسد إعتداء المياه الجارفة، فنزل بهم الشيخ السيد إلى الشاطئ ودعا الله طويلا و خط قبالته خطا مستقيما وقال للبحر: إياك أن تعتدي خطي.. فلم تعد الظاهرة إلى الحاضر، وصار الخط مَعلما للمكان وعنوانا للخطاط.
واشتهر عند الناس كِلا الخط والخطاط، لأن الشيخ كان ملجأ الناس وكانوا في أمس الحاجة إليه يزورونه ويسترشدون منه لطلب الدعاء والتبرك لهم، ومن ناحيه أخرى كانوا بحاجة إلى مَعلَم او اسم مثل هذا لأن اسم قبيلة هذا الشيخ السيد الوقور كان بعيدا عن السنة المحليين لأن اسم قبيلته كان با علوي التي هي قبيلة شريفة من أهل البيت تقطن حضرموت اليمنية، فبدؤوا يعنونونه ب(وراكال تانكال)٠ ومن الممكن أن يكون اسم هذا الشيخ الوقور السيد حامد علي باعلوي أو ابنه السيد احمد باعلوي أو ابنه السيد محمد باعلوي. ولكن لما يصل التاريخ إلى السيد محمد باعلوي كانت مدينة كاليكوت تطورت بتجارتها وكثرة رُوادها حتى أُقيم سوق جديد في المكان الذي خط الشيخ السيد الوقور، فبدأ الناس يعرّفون المكان باسم السوق الجديد (فتينغادي)، ومن هنا نبدأ و نتواصل في مسيرنا مع السيد محمد باعلوي.
تزوج السيد محمد باعلوي من السيدة الشريفة جيرو كنهي بيوي (الصغيرة) وانجبت له عام ١٨٤٠ من الميلاد ولدا زكيا سمّوه باسم عبد الرحمن فكان هو السيد عبد الرحمن بن السيد محمد بن السيد أحمد بن السيد حامد با علوي، وكلهم كانوا لُقّبوا بمُلّاكويا وذلك - كما قيل - لأن الناس كانوا يحسون من الشرفاء مثلِهم رائحة العطر في كل الأحانين وبالمقابل كانوا يلتزمون العطر اِحياء واستِبقاء لسنة جدهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان للسيد عبد الرحمن ملا كويا با علوي الشريف أخا باسم سِيدي كويا وأختا باسم شريفة ملابيوي.
ومن الطبيعي أن تكون أجواء البيت مليئا بالزهد والورع لأن البيت بيت الشرف، فكان الأولاد يُتربَّون على ذلك النمط أيضا ولهذه التربية هناك أساسيتان وهما صلاحية الأجواء العائلية والتربية العلمية فخرج الولد النبيل عبد الرحمن طالبا للعلوم النافعة والشرعية، وكان من حظه أن يجد علماء بارعين في مدينته نفسها، لأن الدين والعلم أيضا قد وصلا هناك معا من الدول العربية مع التجار الخلصاء فتعلم من ايدي علماء مثل القاضي ابو بكر كنهي (خلسنغانركت) والسيد علي عباس من المدينه المنورة وعبد الله المغربي من اليمن، وصار السيد عبد الرحمن بارعا في العلوم الشرعية في أقل وقت.
وكان مولعا باللغات المختلفة منذ نعومة اظفاره، ومن الممكن أن يجد حافزا كافيا في ذلك من تنوع لغات مدينته حيث كانت مدينة كاليكوت مهبط ومنزل التجار القاصدين لديار مليبار وموضع استراحة لمن يعبر ساحل البحر العربي قاصدين متاجر مختلفة تصل الى الصين، فكان هناك من يتكلم بالعربية ويترجمها لأن اكثر التجار كانوا عربا كما كان هناك من يتكلم بالانجليزية ويترجمها لأن المدينة - كما هي البلاد - كانت تحت استعمار البريطانيين، وكان هناك من يتكلم باللغة الهندية أيضا لأن تجار شمال الهند كثيرا ما كانوا يتراودون المدينة للتجارة. وكان لهذه الأسباب يد واضح في تنمية اللغات في شخصية السيد عبد الرحمن با علوي خاصة في لغتي العربية والانجليزية.
والبراعة اللغوية هذه كانت سببا لتقريبه من البريطانيين الحاكمة لأنهم كانوا في أمس الحاجة الى فهم مشاعر ومواقف الناس الذين يحكمونهم وخاصة للباحثين والمثقفين منهم وقد سطر التاريخ منظرا رائعا منها وهو ما استغل فيه الكاتب البريطاني الشهير وعمدة مدينة كاليكوت آنذاك فليام لوغان الذي ألف كتابا تاريخيا حيا لديار مليبار يشتمل على تنوع اهاليها في دياناتهم ومعتقداتهم وثقافات حياتهم وكذلك على مواقفهم السياسية ومشاعرهم نحو الحكومة المستعمرة. ولهذا العمل الشاق كان عليه مراجعة كثير من المخطوطات والكتب خاصة العربيه منها مثل كتاب تحفة المجاهدين في بحث اخبار البرتغالييين الذي ألفه الشيخ زين الدين المخدوم الثاني منبها على مكائد البرتغال المستعمرة، وكذلك هذه البراعة كانت سببا لتقريبه من الحكام المحلية حيث كانوا يحتاجون الى اللغات في تبادل رسائلهم مع الحكام الدولية وفي اِجراء النقاش مع سفرائهم كما كانت سببا لتقريبه من ملك اراكال الحاكم الوحيد الذي تولى الحكم في تاريخ كيرلا، فبالجملة أن العلم الدقيق والوسعة العقلية والقوة اللغوية كلها كانت سببا لامتيازات السيد عبد الرحمن باعلوي علاوة على أنه كان عضوا من عائلة أهل البيت المشرفة. ولهذه الأسباب كان السيد عبد الرحمن باعلوي شخصية مرموقا مشرفا لدى الأمة الاسلامية خاصة وبالأمة الثقافية عامة.
وكان العلماء مثل أحمد كوتي المسليار البانغلي وعبد الباري المسليار الفالاكولامي وغيرهم يزورونه ويتشاورونه في أمور متعلقة بالأمة الاسلامية، ومنهم كان يفهم ويعي كل ما يدور حول البلاد من النشاطات الاستقلالية والاحتجاجات للخلافة الاسلامية تحت اشراف الرؤساء الهندية مثل مهاتما غاندي وكانت مدينه كاليكوت مقرا لهذه الحركات السياسية، وكان الوقت وقت دفاع للمسلمين تجاه الاعتداءات والاضطهادات من قبل البريطان وكانوا يكمنون لهم عداوة شرسة، لأن المسلمين كانوا يقاومون كل من يعتدي على حقوق واموال المواطنين أشد مقاومة من بداية تاريخهم، نتيجة لهذه وقعت ارتباكات كبيرة في ديار ملييار عام ١٩٢١ مما أدى إلى اندلاع نار العداوة بشكل كبير بين المسلمين وبين قوات البريطانية، وفي نفس الوقت انتشرت الاحتجاجات الشديدة في أنحاء البلاد بشأن الخلافة الاسلامية العثمانية ضد البريطان على ما سعت لإندثار الخلافة الاسلامية بعد الحرب العالمية الأولى، وفي إحدى المرات العلماء المذكورون بلغوا السيد عبد الرحمن باعلوي أمورا ذات أهمية وخطورة بتفاصيلها إثر حركات مشكوكة.
وكان ذلك أن بعضا من العلماء والزعماء المسلمين حاولوا تشكيل فرع لجمعية مجلس العلماء التي كانت تعمل آنذاك للمسلمين في شمال الهند خاصة في شأن الخلافة وكان الزعماء يشاركون في احدى حفلاتها المنعقدة في ولاية تامل نادو عام ١٩٢١، وكان في ضمن المشاركين الأستاذ عبد الباري المسليار الفالاكولامي، وكان الأستاذ لاحظ شركائه القادمين من كيرلا للمؤتمر من العلماء لأنهم كانوا على رأي خاص مختلف في الدين على أنهم أُولِعوا بالحركات الوهابية المستحدثة والتي تديرها بعض من مصر والشام والدول العربية، ومذهبهم المستحدث كان في الخلاصة ترك كل ما كان عليه الأمة من الإعتقادات والعبادات والاحترامات والعرفيات الدينية المقلدة وشرح الإسلام على نمط عقلاني، فهذا مرفوض تماما، ففي موضوع تشكيل فرع لمجلس العلماء في كيرلا لما استشار أهل هذا الرأي مع الأستاذ عبد الباري المسليار قال صريحا إنه لا يوافق تلك الحركة إلا بعد الاستشارة مع الأساتذة الكرام في الولاية، ولكن الفئة تلك اسرعت إلى تشكيل ذلك الفرع لأنهم كانوا بأمس الحاجة إلى منصة اسلامية لكي يستغلونها ظاهرا للحركات السياسية وباطنا للحركات الوهابية، فكان ذلك أول حركة خالفت موقف الأمة في ديار كيرلا المسلمة، ومن هناك كانت بدايه الفتن الدينية في أمة كيرلا المسلمة.
فلما علم السيد عبد الرحمن باعلوي بهذه الخطورة من العلماء والرؤساء سارع معهم إلى تجنيد الأمة بجمعية لعلمائها فبدأ الإستشارات والنقاشات معهم للتخطيط فوصلت تلك المساعي إلى تشكيل جمعية لعلماء كيرلا عام ١٩٢٥ بحضور جمع من العلماء البارزين مثل الأستاذ أحمد كويا الشالياتي واحمد كوتي مسليار البانغلي والأستاذ عبد القادر الفضفري وغيرهم ممن بلغوا أفق الاحترام والتقدير لدى الأمة الإسلامية في وقت ذاك، ولكن الخطورة كانت أشد مما حسبوا فعزموا على تقوية الجمعية لأنهم رأوا أن الفئة الوهابية كانت تحاول أن تكبر وتجذب انظار عامة الناس بالتدخلات في الأمور السياسية والمحلية وبإيهامهم انهم هم المثقفون الحاصلون على العلوم الحديثة فاجتمعوا في قاعة الحكومية بكاليكوت وشكّلوا جمعية علماء سمستا لعموم كيرلا تحت رئاسة السيد عبد الرحمن ملاكويا با علوي عام ١٩٢٦، وهذه الرئاسة كان لها أثر بالغ من كل النواحي لأن السيد كان مقبولا مرموقا مشرفا لدى كل الناس في ذلك الوقت حتى عند الحكومة البريطانية وكان عمال وعملاء وسفراء الحكومة يزورونه دائما للمناقشات الحكومية خاصة طالبين مواقف الأمة المسلمة لِما كانت الحكومة البريطانية في نوع من الخوف من المسلمين لأن الوطنية والقومية كانت أبلغ وأشد شعور لديهم، فكانوا يهتمون بمواقف المسلمين ويراقبون مسيراتهم على الدوام، ولهذه الأسباب نفسها كانت الحكومة تتصل دائما وترعى علاقاتها بسيدهم السيد عبد الرحمن ملا كويا لا علوي، فكان نائب الأمة لدى الحكومة.
ومع ذلك كان مقبولا مشرفا لدى الامه الاسلاميه في ذلك الوقت وكان له قبوليه تامه لدى كل من انواع الناس وكان ورعا تقيا نقيا زاهدا سيدا عالما، كثيرا ما يحويه الناس لدعائه في حالاتهم الموجبه والسالبه، وكان اجتماع علماء وأعيان الأمة بكاليكوت لتشكيل جمعية علماء سمستا بدأ بدعاء خاضع طال قُرابة ساعة كما تقول الابحاث، دعى فيه للتوفيق التام لهذه الجمعية لمقاوماتها ودفاعاتها ولخدماتها الدينية والتعليمية الى مدى تولي الإمام المهدي رحمه الله امور الأمة حاكما لها. فلما نتذكر ذلك الدعاء بعد مرور ١٠٠ عام تنشرح صدورنا لاننا راينا ووجدنا أثر ذلك الدعاء طوال مسار الأمة مع جمعية علماء سمستا لعموم كيرلا.
بعد فترة زمنية امتدت ٩٢ عاما انتقل رحمه الله إلى جوار ربه راضيا مرضيا في حياته ومساعيه عام ١٩٣٢ من الميلاد الموافق لعام ١٣٥٢ من هجرة جده عليه أفضل الصلاة والسلام.
Thoughts & Arts
نِعم الخط والخطاط..!
2026-01-31
0 Comments
No comments yet.
Leave a Comment
© www.thdarimi.in. All Rights Reserved. Designed by zainso