Thoughts & Arts
Image

مقدمة علم التفسير

2026-05-06



بقلم: محمد تي اتش الدارمي الأزهري


تعريف علم التفسير ،


التفسير لغةً الشرح، والتوضيح، والكشف، والتبيان. قال ابنُ فارس في (مقاييس اللغة) مادة (سفر): “الفاء والسين والراء كلمة واحدة تدلّ على بيان شيء وإيضاحه”. وقال ابن منظور في (لسان العرب) مادة (ف س ر)، ومادة (سفر): “الفَسْرُ: الْبَيَانُ، وقيل: أصله مِن ( سفر )، وهو الكشف، وسفرت المرأة وجهها إذا كشفت النقاب عن وجهها، قال تعالى:{والصبح إذا أسفر}.


و اصطلاحاً تعدّدت تعاريف العلماء لمصطلح (التفسير) لتعدد وجهات النظر له، مِن ذلك: قال الزّركشي في كتابه (البرهان في علوم القرآن): “التفسير: علمٌ يُعرف به فهم كتاب اللّٰه المنزل على نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكَمه، واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ”. أما الزرقاني ـ رحمه اللّٰه ـ فقد عرَّفه في كتابه (مناهل العرفان في علوم القرآن) بقوله: “علمٌ يُبحثُ فيه عن القرآنِ الكريم مِن حيثُ دلالتُه على مُراد اللّٰه تعالى بقدر الطاقة البشرية”. وأما أبو حيان الأندلسيّ في كتابه (البحر المحيط) فقال: “التفسير علم يُبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب، وتتمات لذلك”. ويقول حسين الذهبي ،(في كتابه التفسير والمفسرون) ، ”إنه علم يبحث فيه عن أحوال القرآن الكريم المجيد من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية ” ، ويقول الإمام السيوطي في كتابه الإتقان في علوم القرأن ، إنه : ”هو علم نزول الآيات وشؤونها وأقاصيصها والأسباب النازلة فيها ثم ترتيب مكيها ومدنيها وبيان محكمها ومتشابهها وناسخها ومنسوخها وخاصها وعامها ومطلقها ومقيدها ومجملها ومفسرها وحلالها وحرامها ووعدها ووعيدها وأمرها ونهيها وعبرها وأمثالها ونحو ذلك"٠


وأول من فسر القرآن الكريم هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم . وورثه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم أصحابه الأجلاء ليبلّغوا الأتباع الكرام شرح القرآن بنفس الروحانية والدقة . ومن أشهر من ورث التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عباس رضي الله عنه والذي وصفه النبي بـ ” ترجمان القرآن ”.


حكم تعلم التفسير وأهميته


بالنسبة للأمة: يجب على الأمة تعلُّم التفسير بشكل عام، ولا ينبغي أن تخلو الأمة من عالم يعلم التفسير، وإلا تكون الأمة آثمة.
أما بالنسبة لأفراد الأمة بأعيانهم: فتَعلُّم ما يصحح فرائضهم وعباداتهم واجب عيني على كل منهم.


وأهم الأغراض من تعلم التفسير :


- فهم القرآن الكريم، ومعرفة المراد منه، ومعرفة مقاصده، وإعجازه.
- معرفة أصول العقيدة وأركان الإيمان، من خلال فهم الآيات الدالة عليها.
- معرفة الأحكام الشرعية التعبدية التي نص عليها القرآن الكريم.
- معرفة أحداث السيرة النبوية، من خلال النظر في أسباب النزول والأحداث والوقائع التي مرت بها السيرة النبوية.
- معرفة أخبار الأمم السابقة، من خلال القصص القرآني للأمم السابقة وقصص الأنبياء، وربط الأحداث بالواقع المعيش.


في عصر الرسول


وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعتمد في تفسير القرآن على أسس ثلاثة مهمة وهي الوحي والحكمة وكشف الغطاء . ومعنى الوحي هنا ليس وحي عن طريق جبريل بل الإلهام الذي يلهمه الله على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم . وقد أكّد به سبحانه في محكم تنزيله ” وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ” [سورة النساء : 113] و” وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ . إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ ” [سورة النجم : 3 – 4]. وهذا تعليم سري من عند الله للرسول صلى الله عليه وسلم . الحكمة ، وهي هبة من عند الله يهبها للأنبياء الذين أنزل إليهم الكتب السماوية المقدسة . يقول فيه سبحانه ” وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ” [سورة النساء : 113] . أما الكشف الإلهي وهو ما كشفه الله للرسول صلى الله عليه وسلم في اليقظة والمنام وما رآه برأي العين يوم الإسراء والمعراج من أمور غيبية مثل الجنة والنار والسماوات السبع إلخ . وقد قال عنه الله تعالى ” لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ ” [ق 22] .


وقد فسّر الرسول صلى الله عليه وسلم الآيات الغيبية مثل آية تلقي الضوء إلى نهاية الأرض ” يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ ” [سورة الأنعام : 158] ، ففسر هذه الآية قائلاً ” لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فاذا طلعت ورآها الناس آمن أجمعون وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها ، ثم قرأ هذه الآية ” [بخاري]. وفسر الآيات التاريخية التي ورد فيها ذكر الأنبياء وأقوامهم مثل عيسى وموسى ولقمان عليهم السلام . وبين الرسول صلى الله عليه وسلم الناسخ والمنسوخ مثل آية الوصية للوالدين منسوخ حكمها وان بقيت تلاوتها قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم ” لا وصية لوارث ” [البيهقي] . وميّز الرسول صلى الله عليه وسلم المحكم من المتشابه كآية ” وَلَقَدْ رَآهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ ” [سورة التكوير : 23] ، كما فصّل المجمل مثل آية ” وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ . .” [سورة البقرة : 43] و ” وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ ” [سورة آل عمران : 97] وفسّره وبيّنه بأقواله وأفعاله وقال ” صلوا كما رأيتموني أصلي” [البيهقي] وقال في الحج ” خذوا عني مناسككم ” [البيهقي] . ومن أسلوب تفسيره تخصيص العام بقوله أو فعله مثلما خصّص حكم العموم في آية ” وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ ” [سورة النساء : 24] بقوله ” لا المرأة على عمتها ولا خالتها ” [الطبراني] . ومنه أيضاً توضيح ما أبهم على الناس مثل ما بيّن آية ” ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ ” [سورة الحجر : 91] ، فقال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : ” آمنوا ببعض وكفروا ببعض ” [محمود الألوسي ، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني] . وكان تفسيره لا ينحصر بالقول فحسب بل بالأفعال والتقارير أيضاً وأن له حقاً فيه لما أنه حمل الله مسؤولية التفسير على عاتقه أولاً كما قال في آية ” وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ” [سورة النحل : 44] .


في عصر الصحابة


وأما تفسير الأصحاب رضي الله عنهم أجمعين كان تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم لم يزيدوا ولم يكثروا ولم يوسّعوا فيه وكانوا يحدّثون بما سمعوا من الرسول فقط بالرغم من اجتهاد واستنباط على آيات افتقرت التفسير بالضرورة . وكان منهجهم الأول منهج تفسير القرآن بالقرآن كآية ” أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ . . ” [سورة المائدة : 1] بآية ” حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ ” [سورة المائدة : 3] . ومنهجهم الثاني تفسير القرآن بأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم . وكان الأصحاب يسألون الرسول صلى لله عليه وسلم ما أبهم عليهم حين كان في الحياة وبعده يبحثون بين الأصحاب عما قال عنه من التفسير لما ما لم يجدوا من القرأن مباشرة . وكان المنهج الثالث وهو الاجتهاد والاستنباط فيما يجوز فيه النظر . فيعتمد فيه على أدوات أوضاع وأسرار اللغة وأسباب النزول وعادات العرب ومقتضى الشرع وقصص النصارى واليهود في آيات قصصية تاريخية ذات العلاقة بهاتين الطائفتين.


ومع بدء القرن الثاني الهجري – أي في أواخر عهد بني أمية وأول عهد العباسيين – بدأت مرحلة التدوين المستقل لعلم التفسير. ولم يعرف على وجه الدقة أول من أفرد تصنيفاً في التفسير، فقيل: إنه سعيد بن جبير – رضي الله عنه – جمع تفسير القرآن في كتاب، وأخذه من الكتاب عطاء بن دينار، ومعروف أن سعيد بن جبير قتل سنة ٩٤ هـ. وقيل إنه عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة، كتب تفسيراً للقرآن عن الحسن البصري، ومعلوم أن الحسن توفى سنة ١١٦ هـ.


في عصر التابعين


وكان التفسير في عصر التابعين يأوي إلى منهج تفسير القرآن بالقرآن كما ذكرنا آنفاً وتفسير القرآن بالسنة النبوية الشريفة وتفسير القرآن بأقوال الصحابة على أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أعلم بالتفسير منهم لقربهم من الرسول صلى الله عليه وسلم وقضاء أوقاتهم معه صلى الله عليه وسلم . وأما المنهج الآخر اتخذه التابعون في تفسير القرآن وهو الفهم والاجتهاد حين لم يجدوا شيئاً من التفسير في القرآن والسنة النبوية وأقوال الصحابة الكرام ، وأخذوا أيضاً أقوال أهل الكتاب من اليهود والنصارى في تفسير قصص الأنبياء السابقين والأمم الماضية حتى دخلت في تفسير القرآن الإسرائيليات .


كان تفسير الآيات القرآنية في الوهلة الأولى تتناقله الألسن والأفواه عنعنة. ولم يُدوّن إلا في عهد تدوين الأحاديث الشريفة وذلك بين قرني التاسع والعاشر الميلادي . جُمع فيه التفسير مع الأحاديث الشريفة وميّز بعد ذلك العلماء الكبار التفسيرَ مثل ابن ماجة [209هـ – 273 هـ/ 824م – 887م] وابن جرير الطبري [224هـ – 310هـ/ 839م – 923م ] وأبو بكر بن المنذر النيسابوري [ت 318هـ ] وابن أبي حاتم [240هـ – 327هـ/ 854م – 938م ] – رضي الله عنهم أجمعين – وجعلوه فناً منفصلاً ومستقلاً . وما سجّل التاريخ عن كتابة تفسير حتى في أوائل القرن الثامن الميلادي. وأما القرن التاسع الميلادي شهد لظهور تفاسير جديدة بتطبيق علوم النحو والصرف في استنتاج معاني القرآن. وأهم مرحلة تطور تفسير القرآن وهي مرحلة القرن العاشر الميلادي الذي جاء فيه الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري بتفسير ” جامع البيان عن تأويل آيات القرآن ” والذي اعتمد لا سيما على منهج التفسير بالرواية مع أخذ الأحاديث الشريفة في شرح معاني القرآن . وكان هذا التفسير أعلى مثل ليسلك المفسرون القدامى على مسلكه في شرح معاني آيات القرآن . لأنه أنفق جهوداً متواصلةً جبارةً ليأتي بنهضة كبيرة بجمع التيارين المسبقين وهما تيار التفسير اللغوي وتيار التفسير الأثري في كتاب واحد. وكان أصحاب تيار التفسير اللغوي لا يعتنون بالأثر وأصحاب تيار التفسير الأثري لا يبالون باللغة. فقدم منهجاً جديداً نسّق فيه الطبري المنهجين المذكورين . وشهدت الفترة ما بعد التدوين ظهور تفاسير عديدة ومنها ما يفسر القرآن من البداية إلى النهاية آيةً بآية وحرفاً بحرف ومنها ما فسّر بالأحاديث ومنها ما فسّر باللغة والبلاغة ومنها ما فسّر بالفقه ومنها ما فسّر في العصر الحديث موضوعيّاً مثل تفسيرٍ نِسائيٍّ إلخ . وكان المفسّرون يفسّرون القرآن حسب مهرة علمهم وتخصّصهم في موادّ مثل الحديث والفقه والتاريخ والعلوم المنطقية والعقلية والطبية . . .


ويمكن أن نقسّم التفسير في مرحلة التدوين إلى مدارس مهمة ومنها ما يُذكر :


(1) مدرسة التفسير بالمأثور :


التفسير بالمأثور هو ” ما جاء فى القرآن نفسه من البيان والتفصيل لبعض آياته ، وما نُقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما نُقِل عن الصحابة رضوان الله عليهم ، وما نُقِل عن التابعين ، من كل ما هو بيان وتوضيح لمراد الله تعالى من نصوص كتابه الكريم ” [التفسير والمفسرون ، 5/4] . ومن بين هذا التفسير تفسير الإمام الطبري والإمام البغوي والإمام السيوطي والإمام ابن كثير . وقد كثر فيه كتب عديدة ومن بينها يحتل تفسير ” جامع البيان في تفسير القرآن ” للإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ( 224هـ – 310هـ ) مرتبة أهمية . كان محدِّثاً ومفسِّراً عظيماً وصاحب أعمال كثيرة.


(2) مدرسة التفسير العقلي أو بالرأي الجائز :


يعني بـ ” الرأي ” هنا الاجتهاد وهو عبارة عن تفسير القرآن بالاجتهاد بعد معرفة المفسر كلام العرب وسائر العلوم المحتاجة للمفسر . ويتم التفسير بالعقل أو الرأي الجائز ” عن طريق إدخال المباحث العقلية والمسائل الكلامية والاكتشافات العلومية لإثبات أمور الدين مع الأحاديث والأثر ” . يوجد بين العلماء القدامى اختلاف في جواز التفسير بالعقلي أو بالرأي لأن المدعين بالحرام يقولون هذا النوع من التفسير حكم على آيات الله بغير علم ، والقول على الله بغير علم منهي عنه لأنه تعالى يقول : ” وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ” [سورة الأعراف : 33] ، ولحديث نبوي ” من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ” [شمس الدين القرطبي].


ويدعي من يجيز التفسير بالجائز بقول الله : ” أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ ” [سورة محمد : 24] ، وقوله تعالى : ” وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ” [سورة النساء : 83 ] . على ضوء دليل دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنه ” اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ” [تفسير ابن كثير] .


يقسم العلماء التفسير بالرأي إلى قسمين أولها الممدوح وذلك التفسير الذي يوافق الكتاب والسنة ويراعى فيه شروط التفسير ومؤهلات المفسر . والثاني المذموم وهو الذي يتجاوز حدود الله والسنة النبوية وإليه يشير كلام ابن مسعود رضي الله عنه : ” ستجدون أقواماً يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهوركم فعليكم بالعلم . . . ” [سنن الدارمي] ، وقول عمر رضي الله عنه : ” إنما أخاف عليكم رجلين ، رجل يتأول القرآن على غير تأويله . . . ” [التفسير والمفسرون ، 367/4] . وقد قيّد الإمام الغزالي (450هـ – 550هـ ) رحمه الله حداً للتفسير بالرأي ، وذلك حد عقل المفسر وعلمه وفهمه وإدراكه يقول فيه : ” جاز لكل واحد أن يستنبط من القرآن بقدر فهمه وحد عقله” [التفسير والمفسرون ،367/4] . فيراجعون عند التفسير بالرأي القرآن أولاً مصدراً ثم الحديث النبوي ويأخذون أقوال الصحابة والتابعين ويأخذون مطلق اللغة لما أن القرآن نزل بلسان عربي مع مراعاة ألا يزل معنى الآية إلى الخارج . ويراعون أيضاً مقتضى من معنى الكلام والمقتضب من قوة الشرع .


ومن هذا النوع من التفسير تفسير ” الكشاف عن حقيقة غوامض التنزيل ” للنحوي والفيلولوجي المعتزلي أبو القاسم محمد بن عمر الكشاف الزمخشري ( و : 1144 ) و ” مفاتح الغيب ” أو ما يعرف بـ ” التفسير الكبير ” للاهوتي الأشعري فخر الدين الرازي ( و : 1209 ) وتفسير ” أنوار التنزيل وأسرار التأويل ” للإمام ناصر الدين أبو الخير عبد الله بن عمرو بن محمد بن علي البيضاوي ( و : 691هـ ) وتفسير ” روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ” للإمام الآلوسي ( 1217هـ ) وتفسير ” لباب التأويل في معاني التنزيل ” للإمام الخازن ( و : 741هـ ) وتفسير ” مدارك التنزيل وحقائق التأويل ” للإمام النسفي ( 710هـ/1310م ) و ” الجامع لأحكام القرآن ” لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ( و : 1272 ) و ” تفسير الجلالين ” للإمام جلال الدين بن أحمد المحلي ( و : 1459 ) وتلميذه الإمام جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ( و : 1505 ) .


(3) مدرسة التفسير البياني :


التفسير البياني تفسير يعتني بالبحوث اللغوية والبيانية والبلاغية والمعانية والنحوية والصرفية والإعرابية والبنائية . يبذل المفسرون في هذا النوع قصارى جهودهم لإظهار معجزة القرآن من جانب اللغة والبلاغة . وأول من قام بهذا الجهد الجهيد أبو القاسم الزمخشري ( 467هـ ) صاحب ” الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ” .


(4) مدرسة التفسير الفقهي :


التفسير الفقهي تفسير يعتني بدراسة آيات الأحكام وبيان كيفية استنباط الأحكام منها والمسائل الفقهية وأصولها . يسمح هذا النوع من التفسير بأعمال الذهن في المناقشة والموازنة بين الآراء أكثر من غيرها . وأما تاريخ هذه المدرسة يرجع إلى فترة نزل فيها القرآن الكريم . وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يراجعون القرآن تارةً والسنة النبوية تارةً ويستنبطون الأحكام إذا نزلت وقائع وحوادث حديثة فإن لم يجدوا منهما اجتهدوا واستنبطوا أحكاماً يتفق عليها الصحابة تارةً ويختلف عليها تارةً . ومن ذلك الخلاف بين عمر وعلي رضي الله عنهما في مسألة عدة الحامل المتوفى عنها زوجها . يرى فيه عمر رضي الله عنه أن مدة عدتها وضع الحمل حين يحكم علي رضي الله عنه بأن عدتها أبعد الأجلين وضع الحمل ومضي أربعة أشهر وعشرة أيام . وقد نبت هذا الخلاف على ضوء نص قرآني . وقد أخذ عمر رضي الله عنه آية عدة المطلقة الحامل وضع الحمل حين أخذ علي رضي الله عنه هذه الآية وآية جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً معاً . فالمفسرون الفقهاء تطرقوا إلى تفقه أحكام آيات القرآن على مدار مصادر التشريع . فاعتنوا فيه اللغة والأدب وأسباب النزول فكل مفسر في هذا الاتجاه يبذل الجهد لتحقيق مذهبه ويرد على الآخر . وأهم الكتب التي خرجت إلى الضوء من هذه المدرسة هي أحكام القرآن للجصاص الحنفي و ” أحكام القرآن ” للكياهراسي الشافعي و ” أحكام القرآن ” لابن العربي المالكي و ” الجامع لأحكام القرآن ” لأبي عبد الله القرطبي .


(5) مدرسة تفسير الصوفية :


مدرسة تفسير الصوفية اتجاه يعالج مواضيع تزكي القلوب وتصفيها . فكلمة التصوف اشتقت من الصوف بمعنى لباس الصوف زهداً وقيل إنه من الصفاء وذلك صفاء القلب . ويعني به ” ( بأنه ) مناجاة القلب ومحادثة الروح وفي هذه المناجاة طهرة لمن شاء أن يتطهر وصفاء لمن أراد التبرؤ من الرجس والدنس وفي تلك المحادثة عروج إلى سماء النور والملائكة وصعود إلى عالم الفيض والإلهام وما هذا الحديث والنجوى إلا ضرب من التأمل والنظر والتدبر في ملكوت السماء والأرض بيد أن الجسم والنفس متلازمان وتوأمان لا ينفصلان ولا سبيل إلى تهذيب أحدهما بدون الآخر فمن شاء لنفسه صفاء ورفعة فلا بد له أن يتبرأ عن الشهوات وملذات البدن . . . فالتصوف إذاً ذكر وعمل ودراسة وسلوك ” [التفسير والمفسرون ، 301/4] . ومن المتصوفين من سلكوا في الأعمال الصالحة ومن خطّط نظرية وفلسفة جديدة . ومن هنا ينقسم تفسير الصوفية إلى قسمين . الأول منهما التفسير الصوفي النظري والثاني منهما التفسير الإشاري الفيضي .


التفسير الصوفي النظري :


وهذه تفاسير بُنيتْ على أساس المباحث النظرية الصوفية وتعاليم الفلاسفة . عالج هذه الطائفة من الصوفية القرآن الكريم يتمشّى مع نظرياتهم وفلسفاتهم . ويعتبر محي الدين ابن عربي شيخ هذه الطريقة من التفسير .


التفسير الإشاري الفيضي :


التفسير الإشاري الفيضي هو تأويل آيات القرآن الكريم على خلاف ما يظهر منها بمقتضى إشارات خفية تظهر لأرباب السلوك ويمكن أن يوفق بينها وبين الظواهر المرادة . فالتفسير الإشاري مما يعطي التركيز إلى رياضة روحية يسير فيها الصوفية إلى مستوى ينشكف له فيه من خلال الأسطر هذه الإشارات القدسية . وقد حقّق هذه المعاني الباطنة القرآن الكريم حيث يقول الله سبحانه عزّ وجلّ ” أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ ” [سورة محمد : 24] . وأشار إليها الرسول صلى الله عليه وسلم في رواية الحسن مرسلاً ” لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع ” [محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري ، الكشف والبيان] . فأهل التفسير الإشاري هم الذين اعترفوا بالمعاني الظاهرة مع الحصول على المعاني الباطنة . وقد اشترط هؤلاء المفسرون لصحة المعنى الباطن شرطين :


الأول : أن يصح على مقتضى الظاهر المقرر في لسان العرب.
الثاني : أن يكون له شاهد نصا أو ظاهرا في محل آخر يشهد لصحته من غير معارض .


ومن أهم الأعمال في التفسير الإشاري تفسير القرآن العظيم للتستري وحقائق التفسير للسلمي .


(6) تفسير الفلاسفة :


وقد توغل الناس في الفلسفة حتى أغرقوا فيه كتابة وقراءة بعد حركة الترجمة في العصر العباسي. وقد ترجمت كتب عديدة فلسفية من اليونان والهند والفرس ومعظمها تخالف الدين الحنيفي. ولكنّ حاول البعض أن يوفق بين الدراسات الإسلامية والعقيدة والفلسفة وكتبوا فيه عدة كتب. فنهض العلماء من الإمام الغزالي وفخر الدين الرازي رحمهما الله ليردوا على من خلط الفلسفة بالدين وأفسده بها. وعلى رأس هؤلاء المفسرين المتمسكين بآراء الفلاسفة الفارابي ( 260هـ – 339هـ/ 874م – 950م ) وكتابه ” فصوص الحكم ”.


مراتب التفاسير


وللتفسير مراتب، قال حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنها: “التفسير أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، ووجه لا يعذر أحد بجهالته، ووجه تعلمه العلماء، ووجه لا يعلمه إلا الله تعالىٰ”.


١ – فأما الذي تعرفه العرب: فهو الذي يرجع فيه إلى لسانهم، وذلك شأن اللغة والإعراب، فعلى المفسر معرفة معاني اللغة، ومسميات أسمائها ولا يلزم ذلك القارئ. ثم إن كان ما تتضمنه ألفاظها يوجب العمل دون العلم، كفى فيه خبر الواحد والاثنين والاستشهاد بالبيت والبيتين، وإن كان مما يوجب العلم لم يكف ذلك، بل لا بد أن يستفيض ذلك اللفظ، وتكثر شواهده من الشعر. أما الإعراب فما كان اختلافه محيلاً للمعنى وجب على المفسر والقارئ تعلمه، ليتوصل المفسر إلى معرفة الحكم، وليسلم القارئ من اللحن، وإن لم يكن محيلاً للمعنى وجب تعلمه على القارئ ليسلم من اللحن، ولا يجب على المفسر لوصوله إلى المقصود دونه، على أن جهله نقص في حق الجميع.


٢ – ما لا يعذر واحد في جهله: وهو ما تتبادر الأفهام إلى معرفة معناه من النّصوص المتضمنة شرائع الأحكام، ودلائل التوحيد، وكل لفظ أفاد معنى واحداً جلياً لا سواه يعلم أنه مراد الله تعالى. فهذا القسم لا يختلف حكمه، ولا يلتبس تأويله، إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد : ١٩]. وأنه لا شريك له في الألوهية، وإن لم يعلم أن (لا) موضوعة في اللغة للنفي، و(إلا) للإثبات، وأن مقتضى هذه الكلمة الحصر، ويعلم كل أحد بالضرورة أن مقتضىٰ قوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَاتُوا الزَّكَوةَ﴾ (البقرة: ١٤٣) ونحوها.


٣- ما لا يعلمه إلا الله تعالى وهو ما يجري مجرى الغيوب، نحو الآي المتضمنة قيام الساعة ونزول الغيث وما في الأرحام، وتفسير الروح والحروف المقطعة. وكل متشابه في القرآن عند أهل الحق لا مساغ للاجتهاد في تفسيره، ولا طريق إلى ذلك إلا بالتوقيف من أحد ثلاثة أوجه: أ – نص من التنزيل. ب – بيان من رسول الله. ج – إجماع الأمة على تأويله. فإذا لم يرِدْ فيه توقيف من هذه الجهات علمنا أنه مما استأثر الله تعالىٰ بعلمه.


٤ – ما يرجع إلى اجتهاد العلماء: وهو الذي يغلب عليه إطلاق التأويل، وهو صرف اللفظ إلى ما يؤول إليه، وذلك استنباط الأحكام وبيان المجمل وتخصيص العموم. وكل لفظ احتمل معنيين فصاعداً فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه، وعلى العلماء اعتماد الشواهد والدلائل، وليس لهم أن يعتمدوا مجرد رأيهم فيه.


شروط المفسر وعلومه
جاء في إتقان السيوطي أنّ من أراد تفسير كتاب الله تعالى فعليه بما يلي:


١- أن يطلب التفسير أولاً من القرآن الكريم نفسه، فما أجمل في موضع فصّل في موضع آخر، وما أطلق في مكان فقد قيد في مكان آخر.


٢ – ثم يطلب التفسير من السنة، فإن لم يجد رجع إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله، ولما اختصوا به من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح.


٣ – ومن شروط المفسر أن تتوافر عنده صحة الاعتقاد.

٤ – وأن يكون ملتزماً بدين الله، فإن من كان متهماً في دينه لا يؤتمن على الدنيا فكيف على الدين، وكيف يؤتمن في الإخبار عن مراد الله تعالى.


٥ – أن تتوافر في المفسر صحة المقصد فيما يقول، وإنما يخلص له القصد إذا زهد في الدنيا.


٦- أن يكون ممتلئاً من عدة الإعراب، لا يلتبس عليه اختلاف وجوه الكلام.




تمت بحوله تعالى

0 Comments

No comments yet.

Leave a Comment

© www.thdarimi.in. All Rights Reserved. Designed by zainso